بعد معاناة طويلة خلص الطبيب إلى أن مريضه مصاب بداء ميؤوس منه. لاحظ المريض علامات التردد على وجه طبيبه فبادره بالقول مشجعاً إياه: "يمكنك أن تقول لي كل شيء عن مصابي، فأنا لا أخشى شيئاً". وأمام إصرار المريض أفصح له الطبيب عن حقيقة مرضه المستعصي، فتحول الرجل بعد سماعه الحقيقة من شخص يبدو قوياً شجاعاً إلى آخر منهار، وكأنه على موعد قريب مع الموت.
ليس هناك أقسى وأصعب من أن يقول الطبيب لمريضه أنه مصاب بمرض عضال عصي على الشفاء. فكم من الأشخاص الأشداء انهاروا بمجرد علمهم بأنهم يعانون من مرض كهذا، فكان وقع الخبر عليهم أشد ميتة من المرض نفسه.

ليس هناك أقسى وأصعب من أن يقول الطبيب لمريضه أنه مصاب بمرض عضال عصي على الشفاء
لا شك أنه من بين أساسيات التعاون بين الطبيب ومريضه أن يخبر الأول الثاني بحقيقة مرضه وبمستقبله الصحي شرط أن يكون الأمل بالشفاء أكيداً، وما عدا ذلك، أي إذا كان الداء مستعصياً، فإن الحذر واجب عندما لا يكون المصاب في حال تسمح له بتقبل الحقيقة التي قد تجعله ييأس من الحياة.
وعندما يعتـقد الطبيب أن الحكمة تقضي بمصارحة مريضه بحقيقة مرضه فإنه يتوجب عليه أن يضع نصب عينيه إماطة اللثام عن الحقيقة في إطار من نفحات الأمل لتفادي ظهور التأثيرات المريرة.

إن الحذر واجب عندما لا يكون المصاب في حال تسمح له بتقبل الحقيقة التي قد تجعله ييأس من الحياة
يقول الطبيب الفرنسي جان هامبورجيه الأستاذ في كلية الطب في باريس سابقاً في كتابه «الطب والحياة»: «يجب عدم قول الحقيقة عندما يكون المريض في حال لا تؤهله لتقبلها وعندما تضره هذه الحقيقة، إذ ليس من حق الطبيب أن يزرع اليأس لأنه يسبب تدهوراً سريعاً في الحالة الجسدية».
يتوجب على الطبيب أن يتعامل مع كل حالة طبية على حدة، فثمة مرضى يمكن إخفاء حقيقة المرض عنهم، بينما هناك مرضى آخرون لا يمكن إغفالها عنهم لأنهم على درجة كبيرة من العلم والوعي، وفي استطاعتهم العثور عليها من خلال السطور التي تنطق بها نتائج الفحوص والتحاليل التي أجريت لهم.

ثمة مرضى يمكن إخفاء حقيقة المرض عنهم، بينما هناك مرضى آخرون لا يمكن إغفالها عنهم
لقد كشفت الدراسات أن غالبية المرضى يريدون أن يعرفوا من أطبائهم حقيقة مرضهم العضال، لكن بعض الأطباء يبدون قلقاً في شأن الآثار الضارة التي قد تترتب عن الإفصاح عن مثل هذا المرض لأنه قد يعجّل في مصير المريض خوفاً وحزناً وهماً. ومن يدري فقد يكون تشخيص المرض خاطئاً فيعيش المصاب سنوات في لجة التعاسة قبل أن يكتشف أن مرضه ليس قاتلاً.
وإذا لم ير الطبيب بداً من مصارحة مريضه بحقيقة مرضه فيتوجب عليه أن يقوم بذلك بمهارة خاصة تمكّن من زرع بذور الأمل في قلب المريض، ولا بأس في التدرج في إخباره عن طبيعة علته المستعصية بهدف تهيئة المريض نفسياً وجعله قادراً على التحمل والمواجهة.

يتوجب على الطبيب أن يقوم بذلك بمهارة خاصة تمكّن من زرع بذور الأمل في قلب المريض
لا ريب في أن مكاشفة المريض بهوية مرضه المستعصي ليست أمراً سهلاً، لأن هذه المكاشفة تحتاج إلى الكثير من الأناة والحكمة، ولا بد قبل ذلك من القيام بعدد من الخطوات المهمة على هذا الصعيد، منها:
1- الإلمام بتشخيص المرض وإمكانات العلاج المتاحة.
2- تهيئة المريض نفسياً استعداداً لتلقي المعلومات المفيدة المتعلقة بطبيعة مرضه.
3- التزام الطبيب مبدأ الحكمة في انتقاء المعلومات التي يراد إيصالها إلى المريض، وأن يكون ديبلوماسياً جداً، خصوصاً إذا كان يحمل في جعبته أخباراً غير سارة.
4- أن يتم إخبار المريض بالمعلومات المتعلقة بمرضه بلغة واضحة وهادئة في إطار من الاهتمام والتعاطف والشفقة والرحمة.

التزام الطبيب مبدأ الحكمة في انتقاء المعلومات التي يراد إيصالها إلى المريض
5- إفساح المجال للمريض كي يطرح أي سؤال يتعلق بمرضه والإجابة على كل ما يجول في ذهنه بطريقة صريحة وواضحة.ولا بد في هذه العجالة من لفت الأنظار إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أنه في كثير من الأحيان يتوسل ذوو المرضى من الطبيب عدم مكاشفة مريضهم بحقيقة مرضه بحجة أنهم أدرى به، وأنه لا يتحمل مثل هذه المكاشفة، وبأن حاله قد تسير نحو الأسوأ عند معرفته بطبيعة مرضه، فإذا حصل مثل هذا الموقف فإنه يتوجب على الطبيب أن يعقد اجتماعاً طارئاً وإياهم بمساعدة كوادر مؤهلة لإفهامهم أن حال المريض لا يرجى منها ولا يمكن شفاؤها وأنه من الواجب أن تتم مصارحة المصاب، سواء من قبلهم أو من قبل الطبيب المعالج أو من قبل فريق طبي واجتماعي مخول لهذه الغاية.
أخيراً يروي عالم النفس الشهير سيغموند فرويد حادثة جرت معه ومفادها أن الطبيب الذي أشرف على علاجه اكتشف أن لديه سرطاناً في الفك، فتردد في بادئ الأمر باطلاعه على حقيقة إصابته المريرة، لكن الطبيب قرر، بعد أخذ ورد بينه وبين نفسه، أن يبوح لفرويد بما يعاني منه، باعتبار أنه شخص مهم لا يمكن إخفاء الحقيقة عنه، ففوجئ الطبيب برد فعل عالم النفس الذي قال: «ومن سمح لك بأن تسر إلي بذلك؟». حتى فرويد، الذي غاص في أعماق النفس البشرية، لم يكن يرغب في معرفة حقيقة مرضه، فما بالكم بالأشخاص العاديين؟!