باستخدامك موقع شايف نت تكون موافق على سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع
اعتزل المجتمع بعد تعرضه للضرب.. الرجل الذي عاش زاهدا 40 عاما
24/11/2021

هل تتخيل نفسك تتوجه يومياً للصيد وتجمع الحطب وتوقده ثم تغسل ملابسك يدوياً بلا كهرباء ولا مياه جارية؟ قد تبدو حياة شخص محكوم بالأشغال الشاقة، لكنها الحياة التي اختارها رجل يسمى كين سميث. اختار الزهد والانعزال منذ نحو 40 عاماً. فقبل 4 عقود، قرر سميث التخلي عن الحياة التقليدية والعيش في رحب الطبيعة في كوخٍ خشبي مصنوع يدوياً على ضفة بحيرةٍ نائية في المرتفعات الأسكتلندية.

يقول كين: "إنها حياةٌ جميلة. الجميع يتمنَّى لو كان بإمكانهم فعل ذلك، ولكن لا أحد يفعل ذلك على الإطلاق". لا يتفق الجميع على أن أسلوب حياة كين المنعزل، هو الحل الأمثل، لا سيما إذا كان عمرك 74 عاماً. يقع كوخ كين الخشبي على بُعدِ ساعتين سيراً على الأقدام من أقرب طريقٍ على أطراف منطقة رانوش مور، بجوار بحيرة لوخ تريغ.

رجل إسباني عاش وحيدا 40 عاما في كوخ خشبي بإسكتلندا

يقول: "إنها معروفة باسم البحيرة الوحيدة. لا يوجد طريقٌ هنا، لكن الناس كانوا يعيشون هنا قبل بناء السد". وقال وهو ينظر إلى البحيرة من سفح التل: "كلُّ أنقاضهم هناك بالأسفل. وليس هناك من شخصٍ غيري فقط". اتصلت المخرجة ليز ماكنزي بكين لأول مرة منذ 9 سنوات، وعلى مدار عامين صوَّرَته من أجل إصدار فيلم وثائقي بثَّته محطة أسكتلندية، بعنوان "The Hermit of Treig - زاهد تريغ".

اعتداء يغير مجرى حياته

روى كين، وهو في الأصل من ضاحية ديربيشاير الإنجليزية، كيف بدأ العمل في سنِّ 15 عاماً في بناء محطات إطفاء. لكن حياته تغيَّرَت حين بلغ 26 عاماً، عندما تعرَّضَ للضرب على يد عصابةٍ من البلطجية بعد قضاء ليلةٍ في الخارج. عانى من نزيفٍ في المخ وفَقَدَ الوعي لمدة 23 يوماً. يقول: "قالوا إنني لن أتعافى أبداً، وإنني لن أتحدَّث مرةً أخرى. قالوا إنني لن أمشي مرةً أخرى، لكنني تمكَّنت من المشي. عندها قرَّرت أنني لن أعيش أبداً وفقاً لشروط أيِّ شخصٍ سوى نفسي". بدأ كين السفر وأصبح مهتماً بالبرية. وفي يوكون، المنطقة الكندية المتاخمة لألاسكا، تساءل عمَّا سيحدث إذا خرج للتو من الطريق السريع و"لم يذهب إلى أيِّ مكان".

ثم توفي والداه

هذا ما فعله، قائلاً إنه قَطَعَ أخيراً مسافة 35 ألف كلم قبل أن يعود إلى المنزل. وبينما كان بعيداً عن موطنه، تُوفِّيَ والداه ولم يكتشف ذلك حتى عاد. سار كين على طول بريطانيا وكان في رانوش في المرتفعات الأسكتلندية عندما فكَّرَ فجأةً في والديه وبدأ البكاء. يقول كين في الفيلم الوثائقي: "بكيت طوال الطريق أثناء المشي. فكَّرت في المكان الأكثر عزلةً في بريطانيا".

ويضيف: "تجوَّلت ومررت بكلَّ خليجٍ وكلِّ جدولٍ؛ حيث لم يكن هناك أية منازل. مئات ومئات الأميال من العدم. نظرت عبر البحيرة ورأيت هذه الغابة". كان يعلم أنه وَجَدَ المكان الذي يريد أن يقيم فيه. وقال إنها كانت اللحظة التي توقَّفَ فيها عن البكاء وأنهى تجوُّله المتواصل. شرع في بناء كوخٍ خشبي، بعد أن جرَّبَ التصميم أولاً باستخدام العصي الصغيرة.

عاشق للعالم كاره للمجتمع

يعيش سميث على ثمار التوت البرية، والحصاد مما يزرعه، والأسماك التي يصطادها في البحيرة. ويقول: "أعتقد أنك إذا كنت تحب الأرض، فإنها تحبك نوعاً ما وفي كل الأشياء التي تنتجها لك". ورغم شغفه بالحياة الطبيعية حوله، لكنه لا يكترث على الإطلاق بالعالم الذي خلفه وراءه. يسجل تقريباً كل ما يراه بكاميرا Zenit قديمة، من شبكة العنكبوت إلى شروق الشمس المذهل - ثم يطبع الصور في رحلاته إلى البلدة القريبة فورت ويليام، وما لا يلتقطه من خلال عدسته، يدونه على الورق.

وفي "صندوق من الورق المقوى للذكريات" يخزّن سميث الصور والخطابات والوثائق الثمينة. وإحدى الوثائق هي سجل للزوار، علماً أنه لا يرى أحداً في معظم الأيام. لا يملك أية فكرة عما إذا كان سيرى إنساناً آخر سواء في اليوم التالي أو بعد أسبوعين، وفي كلتا الحالتين، لا يبالي سميث. لا يعني ذلك أنه يرغب في الابتعاد عن الناس بقدر ما يرغب في الابتعاد عن المجتمع.

الرجل الذي عاش زاهداً

يقع كوخ كين في منطقة كورور التي تبلغ مساحتها 57000 فدان، والتي يديرها صندوق استئماني نيابة عن مالكها، ليزبيت راوزينغ، ابنة هانز راوزينغ - أحد أغنى الرجال في العالم حتى وفاته في عام 2019. على مدى عقود، ظهر كملاذ يناسب احتياجاته المتواضعة، إذ يجمع حطب الوقود لتسخين المياه في حمام قديم لغسل نفسه وملابسه في الهواء الطلق.

ومنذ أن استقر في كوخه في عام 1984 في منتصف الثلاثينيات من عمره، كان رابطه الرئيسي بالعالم الخارجي هو أجهزة الراديو التي تستقبل محطة محلية. يحتفظ بمكتبة صغيرة من الكتب يحصل عليها من المتاجر الخيرية، والتي يقرؤها باستخدام مصباح يدوي، خاصة في فصل الشتاء، حيث يحل الظلام معظم الوقت. ليس لديه هاتف ولا يريد واحداً، إذ يعتبر ألا فائدة منه ولا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي. يعيش سميث حرفياً في كبسولة زمنية من بقايا عصر مضى.

وماذا عن الزواج؟

اعترف سميث بأنه كان مغروماً بفتاة في شبابه وقال: "نعم، كانت هناك فتاة واحدة فقط أحببتها. كل ما أردت فعله هو رؤية العالم". ثم يتذكر كيف طلبت منه الزواج بها: "في تلك اللحظة أخبرتها أنني ذاهب، وإن كانت لا تزال تعتقد نفس الشيء عندما أعود، فمن المحتمل أنني كنت سأتزوجها"، ثم يضيف: "لم أعُد أبداً".

الصدفة تنقذ حياته

بعد 10 أيام من مغادرة المخرجة، في فبراير/شباط 2019، أُصيبَ كين بجلطةٍ دماغية أثناء تواجده في الثلج خارج الكوخ. استخدم جهاز تحديد المواقع، والذي أعطته المخرجة إياه قبل أيام على سبيل الصدفة، وأُرسِلَت رسالة تلقائية من خلاله إلى مركز الاستجابة في هيوستن بولاية تكساس. ومن ثم أُبلِغَ خفر السواحل في المملكة المتحدة ونُقِلَ كين جواً إلى مستشفى في مدينة فورت ويليام الأسكتلندية حيث قضى أسابيع ليتعافى.

فعل المسعفون ما في وسعهم للتأكُّد من أنه يستطيع العودة إلى العيش بشكلٍ مستقل، وحاوَلَ الأطباء إقناعه بالعودة إلى الحياة المتحضرة، حيث سيكون لديه شقةٌ ويحظى بالرعاية. لكنه أراد فقط العودة إلى كوخه.  ومع ذلك، فإن "الرؤية المزدوجة" التي صار يعاني منها بعد إصابته بالجلطة، علاوة على فقدان الذاكرة، يعني أن على كين قبول المزيد من المساعدة أكثر مِمَّا كان يقبل في الماضي. في الغابة التي يعيش فيها كين، يوجد مراقبٌ للكوخ، يعتني بكين ويجلب له الطعام كلَّ أسبوعين، ويدفع له من معاشه التقاعدي. يقول كين: "لقد كان الناس طيبين للغاية تجاهي".

وبعد عامٍ من إنقاذه، كان لا بد من نقل كين جواً مرةً أخرى بعد إصابته عندما انهارت كومةٌ من الأشجار عليه. لكنه يقول إنه غير قلقٍ على مستقبله، ويضيف: "لم نوضَع على الأرض هنا للأبد. سأبقى هنا حتى يحل يومي الأخير. لقد تعرَّضتُ للكثير من الحوادث، لكن يبدو أنني نجوت منها جميعاً". ويقول: "من المؤكَّد أنني سأمرض مرةً أخرى في وقتٍ ما. سيحدث لي شيءٌ سيأخذني في يومٍ من الأيام كما يحدث مع أيِّ شخصٍ آخر. لكنني آمل أن أكمل 102 عام".